سيد قطب
3452
في ظلال القرآن
التي تقوم عليها سائر النعم . ومن ثم يعقب عليها بتعقيب التسجيل والإشهاد العام : « فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ؟ » . . ولا تكذيب في هذا المقام المشهود ! « رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ . فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ؟ » وهذه الإشارة التي تملأ القلب بفيض غامر من الشعور بوجود اللّه ، حيثما توجه ، وحيثما تلفت ، وحيثما امتد به النظر حوله في الآفاق . . فحيث الشروق وحيث الغروب هناك اللّه . . ربوبيته ومشيئته وسلطانه ، ونوره وتوجيهه وهدايته . . والمشرقان والمغربان قد يكون المقصود بهما شروق الشمس وشروق القمر . وغروبهما كذلك ، بمناسبة ذكر الشمس والقمر فيما تقدم من آلاء اللّه . وقد يكون المقصود مشرقي الشمس المختلفي الموضع في الصيف والشتاء ومغربيها كذلك . وعلى أية حال فإن ظلال هذه الإشارة هي الأولى بالالتفات . ظلال الاتجاه إلى المشرق والمغرب ، والشعور باللّه هناك ، والإحساس بيده تحرك الكواكب والأفلاك ، ورؤية نوره وربوبيته في الآفاق هنا وهناك . والرصيد الذي يئوب به القلب من هذا التأمل والتدبر والنظر في المشارق والمغارب ، والزاد الشعوري الذي تفيض به الجوانح وتذخره الأرواح . وربوبية اللّه للمشرقين والمغربين ، بعض آلائه في هذا الكون . ومن ثم يجيء التعقيب المعهود في السورة ، بعد هذه اللفتة القصيرة : « فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ؟ » والمشرقان والمغربان فوق أنهما من آيات اللّه هما من آلاء اللّه على الجن والإنس ، بما يتحقق فيهما من الخير لسكان هذه الأرض جميعا . بل من أسباب الحياة التي تنشأ مع الشروق ، وتحتاج كذلك إلى الغروب . ولو اختل أحدهما أو كلاهما لتعطلت أسباب الحياة . . ومن هذه السبحة البعيدة الآفاق يعود إلى الأرض ، وما فيها من ماء ، جعله اللّه بقدر . قدر في نوعه ، وقدر في تصريفه ، وقدر في الانتفاع به : « مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيانِ . بَيْنَهُما بَرْزَخٌ لا يَبْغِيانِ . فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ؟ يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجانُ . فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ؟ وَلَهُ الْجَوارِ الْمُنْشَآتُ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلامِ . فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ؟ » . . والبحران المشار إليهما هما البحر المالح والبحر العذب ، ويشمل الأول البحار والمحيطات ، ويشمل الثاني الأنهار . ومرج البحرين أرسلهما وتركهما يلتقيان ، ولكنهما لا يبغيان ، ولا يتجاوز كل منهما حده المقدر ، ووظيفته المقسومة ، وبينهما برزخ من طبيعتهما من صنع اللّه . وتقسيم الماء على هذا النحو في الكرة الأرضية لم يجئ مصادفة ولا جزافا . فهو مقدر تقديرا عجيبا . الماء الملح يغمر نحو ثلاثة أرباع سطح الكرة الأرضية ويتصل بعضه ببعض ؛ ويشغل اليابس الربع . وهذا القدر الواسع من الماء المالح هو اللازم بدقة لتطهير جو الأرض وحفظه دائما صالحا للحياة . « وعلى الرغم من الانبعاثات الغازية من الأرض طول الدهور - ومعظمها سام - فإن الهواء باق دون تلوث في الواقع - ودون تغير في نسبته المتوازنة اللازمة لوجود الإنسان . . وعجلة الموازنة العظيمة هي تلك الكتلة